Skip to main content

السيطرة على جسد المرأة كأداة سلطة

تكتب علياء أمينة أحمد عن تقلّص الحيّز المتاح للنساء في المجال العام في سوريا وسط تحوّلات السنوات الأخيرة. ومن خلال تسليط الضوء على التمييز والعنف الرقمي وبُنى السلطة الأبوية، يناقش النص إمكانات النساء لإيصال أصواتهن والتأثير في تطوّر المجتمع.

Credits علياء أمينة أحمد October 08 2026

مع تبلور ملامح المرحلة الانتقالية، يبرز في السياق السوري الراهن مسار مقلق يتجه نحو إعادة ضبط حضور النساء في الفضاء العام، وإقصائهنّ منه تدريجيًا. فبعد كل قرار حكوميّ أو خبر يتعلّق بالتعدّي على حريات النساء أو تقييدها، ترتفع أصواتهن رفضاً لمحاولات التحكم بخياراتهن، وما إن ينتقدن تلك القرارات، سواء في السوشيال ميديا أو المنصات المتاحة للتعبير، يُواجَهنَ بأشكال متعددة من العنف، أبرزها "العنف السيبراني" الذي يتمظهر بتعليقات تهديديّة مرعبة، لا تناقش الأفكار الّتي ينتقدنها، إنما تطالهن شخصياً وتنال من سمعتهن، وقد تصل أحياناً إلى تهديد حياتهن وسلامة عائلاتهن، وذلك في ظل غياب رادع قانوني وإجراءات حماية فعّالة، تجرم العنف ضد النساء وتحد من الانتهاكات بحقهن.

لا يمكن فصل القرارات والإجراءات التي تستهدف النساء، عن سياسة الحكومة الإنتقالية التي يغيب التمثيل النسائي العادل عن مؤسساتها، ضاربة بعرض الحائط القرار الأممي 1325. ينعكس هذا التهميش على حضور النساء في المجال العام، وتقليص مساحتهن في حقول الثقافة والإعلام، بالتزامن مع صعود خطابات تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية بصورة أكثر حدة، فلا تبقى القضية مجرد إجراء إداري هنا أو هناك، مثل قرار منع التبرّج بحجة تنظيم المظهر الوظيفي، أو إلزام أصحاب محلات بيع الألبسة النسائية في بعض المناطق بتوظيف النساء حصراً، فضلاً عن رعاية السلطة لحملات دعوية تحثّ على ارتداء النقاب، فهذه أمور تنطوي على إعادة هندسة حضور النساء في المجتمع، وتحديد أشكال وأنماط مشاركتهن.

هذا المناخ السياسي الكاره للنساء، سواء عبر التعليمات الإدارية أو الممارسات الرمزية، متجذّر في منظومة ذكورية تعيد تعريف (المرأة المقبولة)، و(المرأة الإشكالية)، ومن يحقّ لها الحضور في المجال العام، وتحت أي شروط، فتغدو النساء موضوعًا للضبط والتنظيم، لا ذواتًا سياسية مستقلة. ولا يحتاج المشهد الحكومي لكثير من التحليل لإثبات ذلك، فجميع الصور الرسمية توضّح أن النساء غائبات، وإن حضرن في بعضها، فحضورهنّ يكون شكليّاً فقط لا أكثر.

تشير الدراسات أن تراجع تمثيل النساء سياسيًا، وارتفاع نسبة بطالتهنّ، وإعادة الترويج لدور المرأة المنزلي كقيمة اجتماعية، كان سمة سائدة في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وهو ما أكدته دراسة نشرتها مجلة Feminist Review (العدد 76 – آذار/مارس 2004)، حيث جرى دفع النساء من جديد نحو الأدوار الجندرية النمطية، وصُوِّر تواجد النساء في المنزل فضيلةً إجتماعية، بهدف تقييد حضورهن في المجال العام. إلا أن هذه الحقبة كانت فرصة لنضال الحركات النسوية في هذه الدول، حيث تطورت قدرات النساء في التنظيم الذاتي، والمطالبة بحقوق جديدة والاحتجاج على خسارة مكتسبات سابقة، وهذا أدى لتعديلات قانونية مهمة تحمي النساء من أشكال العنف المختلفة.

مشاركة النساء شرط بنيوي من شروط المواطنة المتساوية، وركن أساسي في أي مشروع سياسي يدّعي السعي إلى العدالة والحرية. فالدولة التي تُقصي النساء من المجال العام أو تُقيّد حضورهن فيه، تعيد تشكيل أنماط الهيمنة بأدوات ولغة مختلفة، ولا تُنتج انتقالًا سياسيًا نحو واقع أفضل.

تتداول النساء داخل مجموعات سورية نسائية ونسوية خاصة، نقاشات وآراء لا يستطعن التعبير عنها بسهولة في الفضاء العام، نتيجة رقابة ذاتية تتماشى مع الرقابة الإجتماعية وحدود ما يمكن قوله أو كتمه. فتظهر في ذلك الفضاء الخاص، السرديات الشخصية بوصفها وسيلة تكيّف ساخرة، وتكون في الوقت نفسه فعل مقاومة، يعكس عبر تفاصيل حياتية يومية القدرة على النجاة لو رمزياً، بدءاً من العناية بالمظهر والشعر والمكياج، وصولاً إلى القلق من أنّ الضحكة العالية قد تسبّب العقاب والإدانة الاجتماعية!

هذه التجارب اليومية تتقاطع مع خطاب السلطة الّذي تكرّسه يومياً عبر تفاصيل صغيرة ذات دلالات كبرى، يراد منها تكريس الصور النمطية المراد أسر النساء داخلها. ومن الأمثلة على ذلك، حديث الرئيس الانتقالي "أحمد الشّرع" عندما استقبل هو وزوجته مجموعة من النساء في القصر، إذ كان أغلب الحديث يدور خول نموذج "المرأة الصابرة"، بوصفه معيارًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، وأيضاً، كلام مُفتي الجمهورية عن "معارك قادمة"، كمعركة وضع الدستور وتغيير القوانين، وخاصة قانون الأحوال الشخصية، وكل ما يتصل "بشرع الله" الذي يجب أن يكون "فوق كل شيء"، حسب تعبيره. ويكتمل المشهد بمسيرات النّساء المنقبات في العديد من المناطق، ودعواتهن لما يسمينه "اللباس الشرعي" الذي لا يُعدّ تعبيرًا عن الحرية الفردية بحد ذاته، بقدر ما يجعل من جسد المرأة أداة للسيطرة من خلال حجبها، إضافة لفرض مفاهيم محدّدة للعفّة و"السترة" ورسم حدود ظهورها في المجال العام، ومن ثمّ التأسيس رمزيًا وقانونيًا لمزيد من الضبط والوصاية.

كلّما ازداد الخوف من تحرّر النساء وإثبات وجودهن في مواقع صنع القرار، ازدادت محاصرة أجسادهن، في اللّباس والحركة والصوت والتمثيل السياسي، فتظل المشاركة النسائية/النسوية محدودة ومقيدة. والخطورة تتعدّى مضمون القرارات والقوانين المقيدة لحقوق النساء، إلى نهج الحكومة الانتقالية في إدارة قراراتها، فهي تتبع ما يعرف في دراسات السلطة بإدارة الالتباس المتعمّد (Deliberate or Strategic Ambiguity). ومعناه أنّ القرار يصدر بصيغة واضحة صارمة، تحت طائلة المساءلة، وفي حال ظهرت ردود أفعال غاضبة مؤثّرة في المشهد، تبدأ دوامة من النفي غير الرسمي والتخفيف الإعلامي وإعادة التأويل والشرح، من دون إلغاء القرار أو تعديله. في النتيجة تتكفّل الضّبابية وعدم الوضوح في امتصاص الغضب العام، مع الإبقاء على القرار ساريًا فعليًا على الأرض، ويُترك للموظفين والمسؤولين الاجتهاد في التراخي أو التشدّد في تطبيقه، عوضًا عن تحمّل السلطة مسؤولياتها السياسية والقانونية.

جميع تلك الممارسات، ليست ممارسات عشوائية، فهي تجسّد الخطاب الذكوري المهيمن للسلطة، والذي يتمدد ليطال الحريات الشخصية لكل فرد وليس النساء فقط، وهي تذكّر بمفهوم (السلطة الحيوية) الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي فوكو. فالسلطة لا تكتفي بإدارة المجال السياسي، بل تتدخّل بتنظيم الحياة اليومية، والأجساد، والمعايير الأخلاقية، وتُمارس هيمنتها عبر أدوات ناعمة وخطابات أخلاقية، تدّعي أنها من أجل حماية المجتمع وقيمه، لكنها فعليًا، تعمل على التطبيع مع سيطرة النظام الحاكم، وإخضاع الأفراد، وإعادة تشكيل حيواتهم وفق منظومته الأيديولوجية، مما يؤدي لفرض نمط واحد مقبول وإقصاء كل نموذج مختلف.

تتطلّب إعادة تشكيل وعيٍ جمعيٍّ جديد ملائم لخطاب الحكومة الإنتقالية الميسوجيني (الكاره للنساء) التلاعبَ بالسردية العامة، ومحاربة الأصوات المناوئة، وهنا تؤدّي وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا، حيث يتصاعد الخطاب التبريري على صفحات مؤيدي السلطة نساءً ورجالاً، في محاولة لشرعنة القرارات والممارسات القمعية التي تُمرّر تدريجيًا، أو التقليل من شأنها وعدّها "تنظيمًا ضروريًا" أو "تفصيلًا ثانويًا" مقارنة بـ "الدماء التي أريقت وتراق في سبيل بناء الدولة الجديدة".

ومن جهة أخرى تنشط آلاف الحسابات الوهمية لتسخيف أي خطاب ناقد، فيتصاعد العنف السيبراني والتعدّي على حق التعبير والحريات الشخصية خاصة ضد الناشطات، وهو ما يضعهن تحت مقصلة "الأخلاق" التي فصّلتها السلطة على مقاسها، ويعرّضهنّ للخطر ولضغوط كثيرة منعت أو حدّت من مشاركتهن في الحياة العامة، وبصورة أكبر بعد انتشار ظاهرة خطف النساء -من الأقليات خصوصاً- والعنف الذي يطال مجتمعاتهن.

أصبح من السهل ممارسة الافتراء والتشهير الأخلاقي بحق أي امرأة تفضح انتهاكات السلطة، أو تنتقد فسادها، أو تتحدث عن الاعتقال التعسّفي وغيره من التجاوزات، فلا يُرَد عليها بالحجج السياسية والنقاش المنطقي، إنّما بمهاجمتها في أخلاقها، ضمن عملية إقصاء كلاسيكية ترمي إلى كتم الصوت النسوي والنسائي دون الحاجة إلى قمع مباشر، إلى أن أُجبرات الكثيرات من النّاشطات النّسويات على ممارسة الضبط الذاتي وربّما الصمت.

لا يمكن فصل هذه الممارسات ضدّ النساء عن البنية الخطابية للسلطة وعقليتها الذكورية، فهي تعيد إنتاجها في المجتمع عبر تعزيز منظومة أخلاقية قوامها خطاب "العفّة والحياء" كأدوات للضبط الاجتماعي بمزاعم أخلاقية.

الكلّ يعلم أنّ مفاهيم العفة والشّرف لدى السواد الأعظم من الشرائح الاجتماعية السورية تتعلّق بجسد المرأة، وفيه يُختزل "شرف العائلة" وهو ما حمّل النساء تاريخياً عبئاً رمزياً مجحفاً، دفعن ثمنه في الصراعات، حيث تتحول أجسادهن لساحات معارك وانتقام من الآخر/العدو. وبهذا تتحول "العفّة" من قيمة أخلاقية مجتمعية، إلى ذريعة لِلَوم الضحية بدلاً من حمايتها ومحاسبة الجناة.

يزداد الأمر خطورة مع تعويم "نموذج للمرأة" وفق معايير الهيمنة الذكورية، مما يسمح بإقصاء المُختلفات "مثيرات المشاكل" عن هذا النموذج، وتتحول بذلك الطاعة والخضوع إلى فضيلة سياسية، تُقاس مشروعية حضور النساء بمدى امتثالهن لمعايير مفروضة عليهن، لا بكفاءتهن أو مواقفهن المستقلّة.

ما لا يدركه جموع المؤيدين للسلطة الانتقالية، أنهم (أو أفراد من عائلاتهم على الأقل)، متضرّرون مباشرةً أو بصورة غير مباشرة من تحجيم فرص عمل النساء وتقليص حضورهنّ المهني، والقيود التي تمسّ حياتهنّ اليومية. ورغم الشكوك التي بدأت تراود بعض الأوساط الموالية بشأن آثار سياسات السلطة على النساء والعائلات والمجتمع السوري عموماً، إلا أنه من غير الواضح بعد إذا كانت هذه المخاوف قادرة فعلاً على التحول إلى وعي سياسي جمعي منظم، يسهم في إنتاج خطاب جديد يصون الحقوق والحريات في المجتمع ويواجه تغوّل السلطة عليه

إنّ الحفاظ على ماتبقى من حضور النساء في المجال العام، لن يتحقق من دون مواجهة صريحة مع البنى الذكورية في جميع المجالات، والتزام الدول الفاعلة في الملف السوري بالضغط على السلطة الإنتقالية باحترام حقوق الإنسان عموماً والنساء على وجه خاص من خلال الالتزام بالاتفاقيات والقرارات الدولية ذات الصلة. إذ تؤكد تجارب الدول والمجتمعات أنّ تراجع مكتسبات النساء والحقوق الفردية لا يحدث دفعة واحدة وإنما عبر خطوات تراكمية جرى التقليل من شأنها، أو قوبلت بالصمت والتكيف حتى غدت أمراً واقعا يصعب الخلاص منه. لذلك فإنّ العمل على منع حدوث ذلك، هو التحدّي الحقيقي أمام النساء الناشطات في سوريا، وخصوصًا اللواتي يرين أنفسهنّ جزءًا من الحراك النسوي السوري.

التذمّر في الغرف المغلقة والمساحات الخاصّة ليس مجدياً، ولا بد من مشاركة فاعلة تواجه الإقصاء، وخلق أشكال تضامن جديدة، لا تترك النساء الشجاعات يخضن المعارك فرادى، لأنّ استعادة المجال العام والحفاظ على مكتسبات النساء، تتطلّب مواجهة الهيمنة بجرأة، وامتلاك خطاب نسوي يصرّعلى تقديم النساء كفاعلات مستقلات صاحبات حقوق، لا مجرد تابعات مُطيعات لما تفرضه السّلطة.

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Donate on Patreon
More ways to get involved

Search