لست أنا
ينطلق نص «لست أنا» من ذاكرة شخصية مرتبطة بحيّ التضامن في دمشق، حيث ارتُكبت واحدة من أبشع المجازر خلال الحرب السورية. يستعيد الشاعر لحظة مشاهدة القاتل والتعرّف إليه، لا بوصفه غريباً تماماً، بل كاحتمال جارٍ أو وجهٍ مألوف كان يمكن أن يصادفه. يتأمل النص في معنى السقوط، والعار الجماعي، والجزء الفاسد في الذات والمجتمع الذي يمثّله القاتل أمجد يوسف.
لست أنا
للشاعر وفائي ليلا
لستُ أنا
لقد اختفيتُ
أنا ميتٌ الآن
لقد سقطتُ في حفرة،
كثيرٌ من الجثث تلقّفتني.
يا “أمجد”،
أيها الوحش الوسيم
فاجأتني بوقوفك عند حافة الحفرة، بدخانك المرح،
بسبابك الذي ألفتُه طوال الوقت.
شربتُ الشاي معك،
عبرنا دمشقَ سويةً،
البارحة لعبنا معاً على رصيف،
البارحة قابلتك في “ميكرو”،
وضحكنا سويةً.
لستُ أنا،
لقد متُّ.
عليَّ أن أنسحب من العالم،
أن أغيّر اسمي،
أن أُخفي هويتي.
لستُ من تلك البلاد،
ولا أنتمي لتلك الوحوش الضارية،
لا أنتمي لذاك المكان.
أنا من “التضامن”،
نعم،
قرب تلك الحُفر العميقة،
جوار تلك الدواليب التي تحترق
ولا تكفّ عن الرائحة.
أنا من ذلك التنوع المجنون،
جيراني من كل الأماكن،
“السَلمية” كانت جوار بيتي،
واحدٌ من الساحل استأجرتُ عنده،
كل الصلبان كانت قريبة،
كل الدروز، بلكنة الفتنة تلك، كانوا قربي.
أنا من دمشق،
من التضامن تحديداً،
قرب جامع العثمان،
بيتنا هناك.
من يلتقط الصور الآن؟ “لهيثم”؟
لعلّه قُتل الآن.
من يخبرني ماذا حدث “لمحمد”؟
لعلهم أخفوا جثته.
من يستطيع أن يسأل الغرباء الآن هناك:
أين بيتنا؟
أين جيراننا؟
رفاق الطفولة:
“حسام”،
“وسام”،
أمي،
إخوتي؟
من يجمع أحذيتهم لتبقى ذكرى؟
من يجمع حقائبهم التي تطير بالذاكرة؟
من يلمّ هوياتهم لأوثّق موتهم؟
لن أخبر الأوروبيين ما فعل أهلي
وأصدقاء بيتنا،
لن أقول لهم من نحن،
وما هي أسماؤنا.
يا “أمجد”،
أيها الوحش الوسيم،
ماذا أكلتَ لتصير كذلك؟
ماذا شربت؟
من عاشرت؟
من هي أمك التي ربّتك؟
غالباً هي طيبة،
حتماً هي خالة تفيض بالرقة.
يا أمجد، أيها القاتل
الذي لا شك أننا قابلناه،
وعانقناه،
وعشنا معه—
كيف قتلتنا إلى هذا الحد؟
كيف تجرأت؟
كيف لم ترتجف يدك؟
كيف لم يستوقفك أي حس،
أو يردعك أي حاجز؟
دع الكاميرا تدور يا أمجد،
لقد سقطنا كلنا في حفرتك،
وأنت معنا—
أنت أولنا،
رغم نجاتك التي تظن.