الكتابة تمرد على الطاعة
في هذا الحوار مع الكاتب السوري أسامة شاكر عن روايته الأولى «زنزانة حي الدقاقين»، تفتح ميرڤت شحاده نافذة على دمشق الثمانينات، وعلى الكتابة بوصفها فعلاً من أفعال التمرد على الطاعة. ينتقل الحوار من دفاتر الشعر الممنوعة إلى تجربة اللجوء في السويد، ومن طقوس الكتابة على طاولة المطبخ إلى أسئلة الحرية والذاكرة والكرامة. إنه حوار عن الطفولة، والمنفى، والشخصيات التي تعبر بين الواقع والكذب النبيل، وعن أمنيات بسيطة: قهوة ووقت للكتابة.
حوار مع الكاتب أسامة شاكر: "الكتابة تمرد على الطاعة"
أسامة شاكر كاتب سوري من خريجي قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق. له كتابات في السيناريو التلفزيوني، وعدد من المقالات. كما صدرت له رواية بعنوان "زنزانة حي الدقّاقين". يقيم حالياً مع عائلته في السّويد بعد أن غادر سوريا هرباً من الحرب، وخاض تجربة اللجوء بكل تعقيداتها.
كان لي معه هذا الحوار:
-ميرفت شحاده
1. لكل كاتب دوافعه الخاصة التي تدفعه إلى الكتابة. ما الذي دفع أسامة شاكر تحديداً إلى اقتراف هذا الفعل؟
أعتقد أن كل جيل يظن أنه شهد التحولات الكبيرة في مجتمعه، فيشعر أن عليه إعادة ترتيب الواقع كمهمة كلّفته بها الحياة سرّاً.
في الثمانينات ملأنا الدفاتر بالشعر، لأنها كانت الوسيلة الوحيدة الممكنة للتعبير. كنا نعكس مجتمعنا بخوف وحذر وخيبة. المجتمع كان محبطاً ومهزوماً من كل النواحي. لم يُطلب منا سوى الطاعة والابتعاد عما يُغضب السّلطات الأمنية والدينية، حتى لو كانت مجرد كلمات غاضبة على الورق.
كانت أكبر مغامراتنا، هي الحصول على كتاب ممنوع، وإخفاؤه في الحقيبة والتجول به بين رجال الأمن والمخبرين. من الصعب أن تكتشف أنك شخصية في رواية السلطة رغماً عنك دون أن تشعر بالإهانة.
إن كان هناك دافع محدد للكتابة، فهو التمرد ومقاومة رذيلة الطاعة المطلوبة من الأسرة والعائلة والسلطة ورجال الدين. هنا تتحول الكتابة إلى دفاع عن النفس والآخرين، عن فرديتك التي تُسفح كأنها ماء آسن. تكتب حتى لا تسحقك الجماعة بوزنها الثقيل، فهي تملك المشروعية والقوة لهرس اختياراتك ومحو تفاصيلك.
2. ما الذي يشغلك أكثر ككاتب: أن تصل رسالتك واضحة للقارئ كما تقصدها، أم أن تكتب عن تجاربك وأحاسيسك وتترك للقُرّاء حرية التفاعل معها؟
لا أعتقد أن كاتباً حقيقيّاً يجلس ليكتب نصاً أدبياً وهو يفكر مسبقاً أنه يقدم رسالة مفترضة الصوابية. هذا تعالٍ وغرور لا يليق بفعل الكتابة. هذا يناسب الخُطب الدينية والحزبية التي لا تسمح للمتلقي بالرفض أو الاعتراض.
مرة أعرتُ كتاباً لصديق، وبعد أسبوع وجدته قد وضعه في "الفريزر". لم نتحدث عن الكتاب، أخذته ورحلت.
من البديهي أن يكتشف القارئ ما يحتويه النص بحسب خلفيته المعرفية. الكارثة هي في القارئ الأيديولوجي الذي يرى أن صراع الفرد مع ذاته لا أهمية له، وأن الأدب يجب أن يتناول القضايا الكبرى فقط.
إذا لم يتحرر الكاتب من "فزّاعات الآخر" في رأسه، سيكون نصه بياناً يتلوه كجندي أو داعية، خالياً من الخيال والمشاعر والروائح. في أصل فعل الكتابة، لا أحد يكتب خارج ما يدركه العقل وخبرة المشاعر، وهذا أمرٌ مشروعٌ، مهما كان الموضوع، ومهما كثر عدد القراء أو قل.
3. ما الظروف التي تحفّزك على الكتابة؟ وهل لديك طقوس معينة تحب أن تخلقها لتغري الكلمات بها لتتدفق على أوراقك؟
الندم على خسارة لحظة الطفولة. هذا الاستغفال الذي نمر به ونحن نخضع للنمو ببطء، ونغادر الطفولة بالإكراه دون أن نعيها. هذا الندم محفّز أساسي على الكتابة.
أعود بالذاكرة لأرتب الأحداث والاحتمالات من جديد. أكتشف أن الطفولة أكثر ازدحاماً بالأفكار والصور والألوان مما كنا نعتقد، وحتى حجم الأشياء كان أكبر، فما بالك بالمشاعر.
ألجأ لهذا هذا الطفل ليكتب معي، ليس كذاكرة فقط، بل كشريك سري. لديه البراءة والإحساس الجذعي بكل الأشياء.
كما أستخدم الصور الفوتوغرافية التي حملتها معي طوال رحلة اللجوء. كلما احتجت إليها أفردها على طاولة المطبخ -المكان الذي أكتب فيه بعد أن يهدأ البيت- واتأملها. كل صورة تحكي قصتها بوضوح، وتكشف لي تفاصيل جديدة في كل مرة.
وأيضاً أنصت للناس بصبر حتى يُفرغوا ما بجُعبتهم من كذب ونفاق، حتى يصلوا إلى نقطة عميقة فيها إنسانيتهم الحقيقية من لطف وحلاوة وخيبة وانكسار.
4. شخصيات روايتك "زنزانة حي الدقاقين" تبدو واقعية جداً. كيف استطعت رسم هذا التنوع في الأحاسيس والأفكار؟
أعتقد أن الفضل يعود لظهور "عين الطفل" أثناء الكتابة، عين تتلقى كل ما مرّ على بصرها ببراءة.
الروايةُ كذب مقدس ونبيل. تستطيع الشخصيات فيها التسلل إلى وجدان القارئ لتتشكل من جديد في ذهنه كصور خاصة به. هي واقعية لأقصى درجة، ومتخيلة لأقصى درجة.
شخصية "شيلا" مثلاً، ركبت خلف ابن الجيران على دراجته وهي طفلة، فأحست نحوه بالحنان وشمّت رائحة الرجولة من ثيابه المتسخة. عندما كبرت لم تعجز عن تغيير الواقع، وأصبح زوجاً لها.
بينما هناك شخصيات هُزمت وعجزت عن تغيير الواقع، ولم تُحدث فرقاً في مواجهتها معه. وهذا حال الحياة وصراعاتها.
لهذا يسألني قارئ عن تفاصيل كأنها مذكرات شخصية، ويصاب بالخيبة إذا قلت له: "هذا كذب نبيل، وكنت أتمنى لو عشت في الواقع نصف ما عاشته الشخصيات". لكني أتفهم هذا الخلط، لأن المدينة والفترة الزمنية هما بطلا النص، والقارئ المرتبط بدمشق في تلك الفترة تحتشد عنده الذكريات.
5. كيف أثّرت رحلة اللجوء والغربة في كتاباتك؟ وما الصعوبات التي واجهتها في النشر من السويد؟
أثّرت رحلة اللجوء تأثيراً قاسياً. أن تأخذ عائلتك وتغادر بيتك في الخامسة والأربعين نحو المجهول هو عمل مجنون، لكنه جنون لا يقارن مع جنون الاستبداد وانتقامه.
عانيت وعائلتي لننجو، وكانت نهاية جيدة لبناتي في السويد، إذ استطعن تجاوز الخوف وبدء حياة جديدة.
لكن لا أستطيع أن أقول إنني نجوت. أنا من الأشخاص الذين تسرطنت كرامتهم، وأتعايش مع نزيفها وآلامها دون ضوضاء.
الحرية هي جوهر التغيير. حق غامض بالنسبة لنا، فردوس الإبداع أن تكتب بلا خوف وبلا رقيب. حين كنت أكتب الدراما التلفزيونية في سوريا، كاد أحد المسلسلات التي شاركت في كتابتها أن يؤدي بي إلى السجن. لا أحد يمتن للحرية أكثر من الكاتب.
بالنسبة للنشر، كنت محظوظاً حين تبنت دار "سامح" الرواية. دار محترفة تنشر الكتب العربية في السويد، وكان مديرها التحريري جيداً جداً للنص، لكني تحفظت على الغلاف لأنه لم يكن يناسب ذوقي.
6. ما هي مشاريعك القادمة؟ وما الأحلام التي تطمح إلى تحقيقها؟
لدي رواية في مرحلة العرض على دور النشر، وأعمل على رواية أخرى قيد الكتابة.
أما الأحلام، فلا أحلام فاخرة ولا بسيطة. لا وقت للأحلام.
هي أمنيات صغيرة فقط: البقاء على قيد الحياة قدر الإمكان، وجود وقت للكتابة قدر الإمكان، لاب توب صالح للعمل قدر الإمكان، والكثير من القهوة السويدية.