Hoppa till huvudinnehåll

لماذا تركتمونا وراء الجدار؟

"لماذا تركتمونا وراء الجدار؟" نصٌ في التجربة الإنسانية والمعرفية للإنسان السوري، يقدم تحليلاً لحالة الاستقطاب السياسي التي يعيشها السوريون منذ منتصف عام 2025، ورؤية للحل. وبتحليل هذا الواقع المعقد، لا يمكن الفصل تماماً بين "الشخصي" و"الاجتماعي"، ولا يمكن كذلك عزل الحالة السورية عن التجارب الإنسانية للشعوب التي عاشرها السوريون في شتاتهم، وربما أصبحوا جزءاً منها. يبني النص مقاربة تشبّه الحالة الاجتماعية في ألمانيا بعد سقوط جدار برلين، مع التجارب الإنسانية التي يمر بها السوريون بعد سقوط نظام البعث الطائفي.

Credits مصطفى قره حمد 08 oktober 2026

تعاني سوريا استقطاباً سياسياً حاداً، تتآكل تحت وطأته مساحات الحراك المدني الصغيرة أصلاً، والتي همّشها الحكم البعثي، وقمعها بشكل منهجي منذ بداية الثورة السورية عام 2011.

ظهر الاستقطاب بحدّة على الفضاء الالكتروني مع اعتصام عيد الاستقلال في 17 نيسان/ أبريل 2026، بين طرفين أساسيين، أحدهما مؤيد لحكومة الشّرع، يبرر سياساتها كافّة، والآخر يشيطنها ويعدّها غير شرعية ترتكب انتهاكات بحق السوريين. وبسبب غياب دور الأحزاب، وضمور المجتمع المدني السوري داخل البلاد، وضعف تنظيمه في المهجر، باتت وسائل التواصل الاجتماعي المساحة الأكثر استخداماً وتعبيراً عن الاستقطاب، وهي حالة غير صحية، نظراً لتركيبة هذه الشبكات، حيث تعزز الفردانية وتغرِق المستخدم في قوقعته، إذ تُريه ما يؤيّد فكره فقط. وتستغلها بسهولة مجموعات "الذباب الإلكتروني" التي تبدو فاعلة في تأجيج الطائفية والنزاعات العرقية في سوريا.

غياب الأحزاب وضعف المجتمع المدني وسوء مواقع التواصل الاجتماعي عوامل تزيد الاستقطاب، لكنها رأس جبل الجليد لإرث الألم الذي لم يتحدث السوريون مع بعضهم عنه بعد، أو ليس بشكلٍ كاف.

في الذاكرة الألمانية، ترتبط عبارة "لماذا تركتمونا وراء الجدار؟" بحقبة تقسيم ألمانيا بين السوفييت والحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، والتي كرّسها جدار برلين عام 1961، حين فُصل مجتمع واحد إلى عالمين متناقضين سياسياً واقتصادياً: ألمانيا الغربية الخاضعة للنفوذ الأمريكي والفرنسي والبريطاني، وألمانيا الشرقية تحت الهيمنة السوفيتية. ومع تطور الصراع إلى ما سُمّي الحرب الباردة، لم يعد الجدار يعزل الجيران عن بعضهم فحسب، بل أصبح يفصل بين عالمين، عالم يؤمن بالاشتراكية وقوة الدولة المركزية، وعالم يؤمن بحرية الملكية وقدرة الأسواق على حكم ذاتها ومركزية الفرد وحقوقه.

خلال الحرب الباردة، عاشت ألمانيا الشرقية عزلةً نسبية، يحكمها نظام مغلق، بينما شهدت ألمانيا الغربية انفتاحاً وازدهاراً. وبعد سقوط الجدار، لم تمنع فرحة الوحدة ألماناً شرقيين كثيرين من التعبير عن شعورهم العميق بالخذلان، لأنهم "تُركوا يواجهون مصيرهم خلف الجدار"، بلا دعمٍ كافٍ أو تضامن فعلي من أشقاءهم الألمان الغربيين. هكذا، كثّفت تلك العبارة ذاكرة جماعية مثقلة بالعتب، تعكس فجوة في التجارب والمعاناة داخل مجتمع واحد، أكثر مما تجسّد تاريخاً مضى.

لا يبتعد المثال الألماني عن واقع السوريين أثناء الحرب. ففي عام 2013، كانت حركة الأسواق جنوب دمشق شبه طبيعية، بينما على بعد كيلومترات قليلة كان مخيم اليرموك المحاصر يُقصف، وأخبار المجاعة فيه تملأ صفحات الانترنت ونشرات الأخبار. ومثله حال حلب الشرقية والغربية، وغيرها من المناطق السورية.

على مدار 14 عاماً من الثورة، تشكّلت حالة من "تخمّر الألم"، فمنذ استخدم النظام العنف ضد المتظاهرين، دخلت المدن والبلدات الثائرة دائرة الموت: مظاهرة، شهيد، تشييع، شهيد، تشييع، اعتقال، تسليم جثة، تشييع، مظاهرة. ومع ظهور الجيش الحر ثم الفصائل الإسلامية، اتّخذ العنف منحىً جديداً، وتطور إلى قصف المدن بالبراميل والطيران الحربي.

رسم أوباما خطاً أحمر بعدم استخدام السلاح الكيماوي، لكنّ نظام الأسد اخترقه مراراً، فكان كلّ ما فعلته واشنطن هو ضمان تسليم الأسلحة الكيماوية. ومع كل فيتو روسي وصيني في مجلس الأمن ضد أي إجراء يوقف إجرام الأسد، يترسخ تصور شعبي لدى كثير من السوريين الذين عاشوا تحت القصف أن المجتمع الدولي لا يبالي، ويزداد الشّعور بالخذلان.

امتدّ شعور "جمهور الثورة" بالخذلان السياسي، ليطال السوريين الذين لم يعانوا من النظام، بأنهم كذلك لا يبالون. وترك تأييد طبقة من الفنانين والمثقفين لجرائم الأسد انطباعاً بأن هؤلاء ليسوا غير مبالين فحسب، بل شركاء في الجرائم.

نتج عن تخمر الألم حالات تسمى بالإنكليزية (cynicism)، وحالات تطرف سياسي، وتطرّف عنيف، فازدادت أعداد الملتحقين بمجموعات مقاتلة متطرفة. وفي محاربة "تخمر الألم"، حاول مثقفون ونشطاء مدنيون في الخارج محاربة التطرف بالتركيز على مناقشة السياسة الدولية، وأنها مبنية على المصالح لا الأخلاق، ولا يمكن سوقها على السياسة الوطنية، التي ينبغي أن تبنى على الأخلاق والقانون لتحقيق مصالح الشعب. وكيف أنّ أجهزة النظام القمعية لم تترك خيارات للناس، فإمّا القتال، أو الموت في المعقتلات وتحت القصف، أو الصمت.

كانت محاولات للمحافظة على ما تبقى من نسيج المجتمع السوري، وسعياً لأنسنة تجربة الصمت، وفهمها عوض تخوينها. وعندما زرت دمشق بعد سقوط النظام، كان السؤال الأكثر تداولاً في المواجهة الاجتماعية بين العائدين من الشمال (إدلب)، والمقيمين في دمشق: "لماذا تركتمونا وراء الجدار؟".

منذ سقوط الأسد، يحاول مجرمون مرتبطون به إعادة الاندماج بطوائفهم، محاولين إقناع مجتمعاتهم أن الانتماء الطائفي أعلى من الانتماء لسوريا، عبر إعادة تعويم شخصيات دينية كانت مؤيدة للنظام، واستخدام مظلوميات طائفية لتمييع المعاناة التي عاناها السوريون جميعاً تحت حكم البعث.

في هذا السياق، تُستَخدم سرديات "لم يتغير شيء" أو "كما أجرم البعث سابقاً يجرم النظام الحالي" في إشارة إلى موجتي العنف في الساحل والسويداء.

يصعب تشبيه أي شيء بجرائم نظام البعث، ولا يمكن وصف سياسات حكومة الشرع بأنها استهداف لطائفة معينة، لأن من أوائل من اعتقلوا بسبب ارتباطهم بجرائم البعث مفتي الجمهورية السني أحمد بدر الدين حسون، ومن أولى الحملات لدمج الفصائل العسكرية هي الحملة على فصيل أحمد العودة في درعا، وهو كذلك سني، وتعيش الطوائف في المدن السورية دون أن يتم استهدافها. لكن هذا لا ينفي ارتكاب قوات تابعة للحكومة جرائم وانتهاكات بحق المدنيين في الساحل والسويداء، ولا بد من محاسبة مرتكبيها، وإرساء سلطة القانون على جميع الفصائل. على أنّ ذلك لا يغسل جرائم آلة القتل الممنهج التابعة لنظام الأسد بحق السوريين.

ثمة في المجتمع السوري اليوم حالة "عتب" اجتماعي، بين سوريين عانوا قصف طائرات الأسد، وسوريين لم يختبروا ذلك. وبالرغم من التباينات الحادة في تجارب السوريين، يمكن رصد بوادر اتفاق على مبدأ المواطنة، وعلى حق جميع المواطنين في التعبير عن مطالبهم، وهو أمرٌ يمكن عدّه إرثاً طيباً لثورة 2011، ونشوة يعيشها متظاهروها من السوريين حول العالم، الذين خاطروا بحياتهم لترتفع كلمة "لا" بوجه "حزب البعث". نشوة يراها المرء في عيونهم كلما خرجت مظاهرة وحماها الأمن العام في سوريا. أسئلة غير منطقية وخارج السياق التاريخي لسوريا تدور في الذهن المتعب من القمع، "كيف يعودون للبيت بعد المظاهرة؟ مشياً؟ ألا يركضون؟، أين يخبئون جثث وجرحى الاشتباكات مع الأمن وهم في وسط الساحة هكذا؟".

غير أن الإجماع على مبدأ المواطنة والحق بالتظاهر، يصطدم بخلاف عميق حول كيفية التعامل مع أشخاص تعاونوا مع النظام السابق أو كانوا جزءاً منه، وبعضهم يشارك بالمظاهرات ضد حكومة الشرع. من جهة يرى سوريون عاشوا في مناطق سيطرة النظام أن التعايش مع أعوانه كان أمراً واقعاً، فرضته بنية الدولة التي تغلغل فيها حزب البعث كشبكة مصالح وسلطة، وبالتالي، لا يرون ضرورة لإقصاء هؤلاء سياسياً بشكل مطلق. في المقابل، يعتقد قطاع واسع من الذين شاركوا في الثورة أو عانوا القصف والاعتقال، أن التعاون السياسي مع أشخاص كانوا جزءًا من منظومة حزب البعث القمعية، هو انتهاكٌ لمسؤولية أخلاقية وطنية، وقبول بجرائم النظام. يتجاوز هذا الموقف مشاعر الغضب من محدودية تطبيق العدالة الانتقالية بحق مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، نحو قلق وخوف من قدرة هؤلاء على استعادة منظومة القمع، بكل ما تحمله من انتهاكات بحق السوريين.

إنّ الحديث عن الأحزاب والمجتمع المدني في الحالة السورية الراهنة ليس ترفاً، وإنما ضرورة لإعادة تنظيم المجال العام ومنع انزلاق المجتمع نحو عدم الاستقرار. فغياب الأطر السياسية المنظمة يفتح المجال أمام أشكال غير منضبطة من التعبير، قد تكون عرضة للاختراق أو التوظيف. وهنا تتجلى وظيفة الأحزاب كحاجز أمام اختراق ما يسمى "الفلول". ذلك أنّ الانتماء للأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، يفترض آليات تدقيق ومساءلة داخلية، تجعل من الصعب على شخصيات ارتبطت بالنظام السابق التحرك بحرية من دون مساءلة. وعند ظهور شبهات حولهم، يُجبر الحزب أو النقابة أو المنظمة على اتخاذ موقف واضح، سواء عبر توضيح الاتهامات أو فصل الأعضاء المشتبه بتورّطهم فعلاً بجرائم، وهو ما يخلق مع الوقت حالة من الشفافية، تسمح للمجتمع بتمييز القوى الملتزمة بالعزل السياسي، عن المتساهلة في شأنه.

تؤدي الأحزاب والمجتمع المدني دوراً محورياً في تحقيق الاستقرار، فلا تكتفي بجمع الأفراد، بل تعيد صياغة الفعل السياسي نفسه، عبر تحويل المواقف الفردية إلى برامج حزبية واضحة قابلة للنقاش. ومن خلال التنظيم، يمكن تمييز الفاعلين السياسيين الحقيقيين عن الانتهازيين أو المرتبطين بشبكات النظام السابق. وعندما تُطرح الأفكار في العلن، وتخضع لنقاش مجتمعي ستُفرز تدريجياً، وتتراجع الخطابات الإقصائية والمرتبطة بإرث الاستبداد، أو يتم ضبطها.

على مستوى آخر، تفتح الأحزاب المجال أمام نمط مختلف من التمثيل السياسي، يتجاوز الهويات الضيقة التي سادت خلال حقبة حزب البعث. مقابل صعود خطاب وطني أكثر تماسكاً، يختار فيه السوريون الانضمام للأحزاب بناء على الأفكار والمواقف السياسية، لا الانتماءات الدينية، الطائفية، أو المناطقية. لا يلغي هذا التحول دور الفاعلين الدينيين، لكنه يعيد تموضعهم الاجتماعي، ليكونوا أكثر تأثيراً ضمن الحقل الإغاثي والأخلاقي، وأقل تأثيراً في المجال السياسي.

مجدداً، يصرخ السوريون بوجه بعضهم البعض من جُزُر التفاهم المتباعدة، على منصات التواصل الاجتماعي وفي مساحات المجتمع المدني الصغيرة، يصرخون بغضب حيناً وبعتبٍ حيناً، والصرخة واحدة: "لماذا تركتمونا وراء الجدار؟" أو "لماذا تتركوننا اليوم وراء الجدار؟".

الصمت اليوم مدان بطريقة غير مفهومة، ويرفض كثيرون أنسنة الصمت، حتى من الذين كانوا صامتين في الأمس القريب.

لعل تجاوز حالة الاستقطاب الراهنة يستوجب الاعتراف بجرائم البعث بحق السوريين دون "لكن، ولماذا؟"، والابتعاد عن محاولات غسل ما يزيد عن نصف قرنٍ من جرائم النظام السابق بالجرائم التي ارتُكبت مؤخراً في الساحل والسويداء. المجزرة ليست حلاً لمجازر سابقة حتماً، وفي الوقت ذاته لا تمحي المجزرة مجازر سابقة، والحل يكمن في العدالة الانتقالية والاحتكام للقانون. ولا بدّ من العزل السياسي للمتورطين بجرائم البعث في الدولة الجديدة والأحزاب والمجتمع المدني، والسماح للأحزاب والمنظمات المدنية بممارسة دورها في تعزيز الحوار المجتمعي، وترسيخ القيم الديمقراطية، بحيث تتاح الفرصة لكل فرد أن يَنتخب ويُنتخب. مازال تشكيل الأحزاب بعد عام ونصف من سقوط النظام محاطاً بضبابية قانونية، وكثير من هيئات المجتمع المدني تطالب السلطة الانتقالية بتطبيق الديمقراطية، وهي نفسها لا تطبّق الديمقراطية والشفافية في انتخاباتها الداخلية.

بناء الثقة بين السوريين يقتضي تحويل صراعهم من صراع ذاكرة وهوية إلى تنافس سياسي مشروع ضمن قواعد واضحة. هذا يتطلّب وجود قيادات في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني السورية تؤمن بضرورة وجود جميع الأصوات، وتمثيلها بطريقة عادلة، ضمن حوكمة تؤمن بالديمقراطية، وترى أطياف اللون بين الأبيض والأسود، بعيداً عن الاستقطاب السياسي الحاد.

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Ge en gåva på Patreon
Fler sätt att engagera sig

Sök