Hoppa till huvudinnehåll

الأدب السّوري خارج إطار الاختزال

Credits رأفت حكمت 08 oktober 2026

تشكّلت هوية الأدب السّوريّ وتطورت، من خلال مسيرة واكبت التبدّلات العالمية إزاء كيفية التعامل مع القيم الإنسانيّة العليا والتماهي بها، تلك القيم ذات الدّلالات الواضحة التي تسمو بالإنسان عبر العصور. والأدب، شأن غيره من ركائز الحياة البشرية، يتأثّر بضغوطٍ تفرضها الحروب والصّراعات، وتَغيُّر السياسات المحليّة والدولية، وهذا يقوده أحياناً، خلال النّضال الثقافي للحفاظ على قِـيَمهِ، إلى فقدان ملامحه أو حتى هويّته المتعلقة بالبلد الّذي ينتمي إليه. وهذا ما كاد يصيب الأدب السوري، في خضمّ ما مرّت به البلاد من ثورة وصراعات وحروب، لولا أنّ بعض حملة راية الأدب والثقافة وحرّية التعبير، يحولون دون انهياره، ومركز القلم السوري «PEN Syria» يعمل ليكون أحدهم.

لقد سعينا منذ انطلاقة المركز "كمبادرة" قبل سنوات، إلى إعلاء القيم العالميّة للأدب وحقوق الإنسان، ولاسيما حرّية الرّأي. ومن خلال محاولات جهيدة جسّدت صبر المجموعة التأسيسية وإيمانها بالمشروع، شرّعنا النوافذ على كلّ تعاون ممكن، لتُصدَّرَ للعالم معاني التنوّع الّذي يحمله أدبنا السّوريّ، وتَظهَرَ رحابة أفق الحريّة في التعبير، عندما يحظى الكُتّاب السّوريّون والسّوريّات بالفضاءِ المناسب.

هذا ما نتطلّع إليه بهذه الشراكة الرسميّة الأولى مع الأصدقاء في القلم السّويدي، والتعاون في نشر عدد خاص من مجلّة Opp، بطابع ثقافيّ، أدبيّ، وسياسيّ، يتضمّن اثني عشر نصّاً سورياً، بين الشعر، القصّة، والمقالة السياسيّة والأدبية وغيرها.

اختيرت المواد بعد مراجعات ضَمِنت تحقيق التّوازن الجندريّ، وعدالة توزّع المشاركة بين داخل سوريا وخارجها، بالإضافة إلى تنوّع الآراء، مهما اختلفت أو اتفقت في مقارباتها.

الهدف الرئيس من هذا العدد أن يكون نافذة تُفتَح على مساحة إبداعية، تجتذب "الإصغاء بعناية" إلى أصواتٍ كَتبتْ تحت ضغوط مركّبة: الذّاكرة، النّجاة، المنفى، في وقت ما زال الأدب السّوريّ عموماً، يُجاهد لنيل مكانةٍ يستحقّها، رغم فوضى التحوّلات الّتي تعصف بالعالم، وتجرّه يومياً نحو الرّكاكة والابتذال.

وما يميّز إصدار هذا العدد الخاص، كونه يذكّرُ بأنّ الأدب يولد من ثنايا الكارثة، أكثر ممّا هو نتيجة لما يليها، مواصلاً أداء دوره الحقيقيّ: الشّاهد الأصدق عليها. جميع النصوص، على اختلاف أنواعها وأجناسها الأدبيّة، تسعى لتمثيل التنوّع الإنساني والجمالي واللّغوي، فالكتّاب والكاتبات السّوريّون/ات، ليسوا مجرّد شهود على مأساة، أو ضحايا يتوخّون الشّفقة، ويستجدون الاهتمام على ظهر المعاناة. لذا، على العالم إدراك أنّ الكتابة السّوريّة لم تكن في أيّ يومٍ ترفاً ثقافيّاً، وأنّ جوهر ما نحاولُ إيصاله هو النّص ذاته، بوصفه مقاومة للصّمت، للتّشويه، وللنّسيان. إنها محاولةٍ لحفظ الهويّة السّوريّة، بالتركيز على قدرة اللّغة أن تكون مساحة للحريّة عندما تضيق المساحات الأخرى، أو تختفي.

كُتِبَت بعض النصوص في المنفى، وبعضها الآخر داخل سوريا، وهذا التنوّع منحها توتّراً لافتاً، ما بين معالجة القضايا المطروحة عن قرب، أو من مسافات تتيح منظورات مختلفة. تراوحت المواضيع من العام والسياسي، ضمن أُطر الآراء والانطباعات الشخصيّة، إلى النصوص المحمولة على لغة شعريّة وسرديّة أدبيّة، وبعد ذاتي يقترب من اليوميّ المُعاش، ليبقى الصوت الأدبيّ السّوريّ مواكباً آداب العالم وتغيّراتها، ومعبّراً في الوقت نفسه عن "إعادة اختراع الوطن" لا عن "فقدانه" وحسب.

إن هذا التّعاون بين "PEN Syria" و"Svenska PEN" يمثّل لنا ككُتّاب وكاتبات سوريين/ات، فعلاً تضامنيّاً، ثقافيّاً وأخلاقيّاً بالدّرجة الأولى، وليس مجرّد إجراء مؤسساتي وتنظيمي. فحريّة الرأي والكتابة، تكون أكثر حقيقيّة وحاملةً لمعناها، عندما تُتاح الفرصة أمام الكتّاب والكاتبات لتقديم أعمالهم، وتسهيل وصولها إلى جمهور متنوع. هنا تأتي أهمية التّرجمة، فلا ينحصر دورها في نقل كلمات من لغة إلى أخرى، وإنّما تحمل حساسيّة التّجربة السوريّة وعوالمها الدّاخليّة الخاصّة إلى نطاق عالمي أرحب، يتجاوز السياق المحليّ الضيّق والمضطرب. هكذا، تجعل الترجمة من هذا العدد جسراً أدبياً، يخلق نقاط التقاء بين التّجارب المتعددة، من دون محو خصوصيّة النصوص الأصليّة، والّتي إن اختلفت في الأساليب والأشكال والأجيال، لكن يجمعها السّؤال العميق الجوهري حول "الإنسان تحت الضّغط".

هذه دعوة منا نحن كتّاب وكاتبات القلم السّوري إلى قراءة نصوصنا بوصفها أدباً مستقلاًّ، له بناؤه ومجازه وإيقاعه، وصمته الخاص أيضاً، لا كوثائق فقط، أو أمثلة عن المعاناة. قد لا يقدّم العدد إجابات وافية عن أحوال سوريا، وأدبها الثري، وأسئلة الحريّة والسلام والمستقبل، لكنّه بالتّأكيد يعالجُ جوانباً منها، بعمقٍ وصدقٍ يغنيان تجربة الكتابة، فهي تتوهّج أكثر فأكثر، عندما تُمنَح صوتاً خاصّاً، صادقاً، وذاكرةً حيّة.

المحرّر الضّيف: رأفت حكمت – PEN Syria

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Ge en gåva på Patreon
Fler sätt att engagera sig

Sök