غربال
زمن المجازر، تتداخل الحدود بين عوالم الأحياء والموتى، بين النجاة وعدمها. «غربال» قصة عن امرأة تجد اسمها في قائمة قتلى، وتحت وطأة الصدمة، تحاول تصحيح الحكاية. يقترب النص من عبثية الحرب من خلال تجربة شخصية تضع الهوية والذاكرة والحق في النجاة .
غربال
بتول أبو علي
" بتول ياسين"..
كسكّينٍ عَبَرَني، اسمي الكامل، لا لَبسَ فيه، يَتَوَسَّط قائمةَ نعيٍ على صفحةِ الفيسبوك الخاصّةِ بضحايا المجزرة. أعيدُ قراءته حرفاً فحرفاً، أعيدُ قراءةَ القائمة كاملةً، مرّةً بعد مرّة، آملةً أن يختفي وسطَ احتشادِ الأسماء وتضيعَ حروفُه وسط الحروف الكثيرة، لكنّه عبثاً يفعل، فأحاول التنفّس بعمق مهدِّئةً نفسي.
"...بتول ياسين، 30 عاماً..."
يعودُ الاسمُ ليظهر في قائمةٍ على صفحةٍ أخرى! أسماءٌ جديدة أُضيفت، يبقى هو بينها ثابتاً، ملتصقاً مثل عَلقةٍ تمتصُّ دمَ العين. يُرجفني الهلع حين أقرأ الرقمَ إلى جانبه، إذ ألاحظُ أنّ القائمةَ مختصّة بالضحايا من الشبّان والصبايا. أرقامٌ صغيرة إلى جانب الأسماء، حيواتٌ لم تتّسع إلا للقليل. أحاولُ طمأنةَ نفسي، لا بدّ أنّها صدفة، صدفةٌ لعينةٌ وحسب.
تُناديني أمّي لتناول الغداء، اسمي على شفتيها يبعثُ الأمانَ في صدري، هذا دليلٌ لا يمكنُ تزويره! أجلسُ قبالتها وأبي. لقد كبرا كثيراً في الأيّام القليلة الماضية، أتأمّلهما بحزن؛ الرعبُ والقهرُ يصنعانِ الكثير، هل نَجَونا؟! أتساءل بعد أن فقدنا رفاقاً وجيراناً، وأحباباً كثيرين قُتلوا بطرقٍ لم نكن لنتخيّلها في أكثر كوابيسنا وحشيّة. أحدّق في عيون أهلي الّتي جفّتْ كعيوني من كثرة البكاء، كل واحد فينا يشجّع الآخر ليأكل، لكن لا أحد يستطيع استساغةَ الطّعام.
تركتهما بعد أن وضعتُ قبلة على جبين كلّ منهما، ثمّ عدت إلى غرفتي وهاتفي. بتنا نلتصقُ بأجهزتنا الإلكترونية طوال الوقت؛ اتصالاتٌ سريعةٌ نُطمئِنُ بها من بقيَ من أحبّتنا بأنّنا أحياء، ويطمئنوننا أنّهم كذلك، لا شيء آخر نقوله، لا شيء إطلاقاً.
أكتب اسمي في خانةِ البحث، أضعه بين علامتي تنصيص لدقّة النتائج، فتنسدلُ أمام عينيَّ عشراتُ القوائم. أفتحُ أحدَثها، والتي على ما يبدو، أُضيف إليها تفاصيل جديدةً لوصفِ الضحايا. أفكّر في مُنشِئي هذه المنشورات، لِمَن يوجّهونها؟! ومَن يحاولون إقناعَه بأنّنا أبرياء ولا نستحقُّ الموت؟! يفور فمي بالشّتائم بينما تنزلق عيناي بسرعةٍ على الأسماء، أقرأ مِهن الشبّان والصبايا: أطبّاءٌ وطبيبات، ممرّضون وممرّضات، مهندسون ومهندسات، ومعلّمون ومعلّمات…ثم جوار اسمي أقرأ: "بتول ياسين، 30 عاماً، كاتبة..." فأرتجف كأنّ صاعقة ضربتني! أما من أحدٍ يدقّقُ هذه القوائم؟! أرمي هاتفي وأهرعُ إلى حضن أمّي، المكان الأكثر حقيقةً وسط كلّ هذا الجنون. لا داعي لأن تسألني أمّي عمّا بي، لأنّها تعرف أنّ لدينا أسبابٌ كثيرةٌ للانهيار. وبينما أنا متّكئة على كتفها، لمحتُ أبي في الخارج. وقد بدا كمشهد من فيلم سينمائي: شرفتنا بزجاجها المهشّم، سماء رمادية تحيط بها، وأبي يمسّد بيديه نبتةَ حبقٍ تبدو يابسة كليّاً، أدقّق النّظر فيها محاولةً أن أتذكّر ما إذا كانت كذلك قبل المجزرة فلا أنجح. أحدّق في هيئة والدي، يداه ترتجفان كغصنين ضعيفين في عاصفة. أحاول تذكير نفسي بوجوب التماسك لأجلهما، أرفع رأسي عن كتف أمّي، أمسح دموعي بيديها ثمّ أقبّلهما طويلاً. وكان قرارٌ قد تشكّل في رأسي، بعد أن قرأتُ عن دفنٍ جماعيٍّ سيُقام اليوم للضحايا. أن أمضي إلى هناك، فإمّا أرى جثّة هذه الفتاة التي تحمل اسمي وعمري ومهنتي، أو أصحّح لهم خطأهم! تفقّدتُ وجهي في المرآة قبل الخروج، والّذي رغم شحوبه، لم أشعر برغبةٍ في تزيينه أو تعديل أي شيء فيه.
**
هناك، في المقبرة، كانت الجموعُ مُحتشدة حول توابيت الضّحايا، نساء وعجزة وأطفال، تفحّصت عيناي وجوهَهم فرداً فرداً، إذ بدوا كما لو أنّهم أشباح، كما لو أنّهم هم الموتى.
في الأرض كانت حفرٌ كثيرة، لم أستطيع إحصاءها، مفتوحةً في انتظار الأجساد الطريّة. لم أعرف لماذا في تلك اللّحظة تحديداً، مرّ في بالي "غربال جدّتي" الّتي كانت كلما استخدمته تقول: "هكذا نفصل بين الجيّد والسيء".
قبرُ جدتي هنا أيضاً، توفّيت قبل خمس سنوات وأوصتنا أن ندفنها قريبةً منّا، فوجدت نفسي دون تخطيط، أمشي متّجهة إليه، وحين وصلت، هزّني غضب شديد عندما رأيت حفرتين كبيرتين قد نبشتا بجانبه. ألا يعلمون أنّ القبورَ المجاورةَ لقبر الجدّة، يجب أن تكون محجوزة ومخصّصة لبقيّة أفراد العائلة؟ كنت على وشك مناداة حارس المقبرة لأسأله، لولا أنّني لمحتُ قطعةَ ورق صغيرة بجانب الحُفرتين مكتوب عليها: "بتول ياسين ووالداها، 7 آذار 2025"
لم أفهم أوّل الأمر ما الذي تغيّر في فجأةً الهواء، شعرتُ كأنّ المقبرة الفسيحة انقلبتْ إلى غرفةٍ ضيّقة جدّاً. بقيتُ أقرأ الورقةَ كمن يمضغ طعماً مرّاً لا يريد ابتلاعه، مرّةً، ثمّ مرّةً، ثمّ مرّةً أخرى، لعلّ الحروف فوقها تتبدّل. تراجعتُ خطوة إلى الوراء، فشعرتُ بالأرض تميد تحت قدميّ. لم أعد أرى الحشد المحيط بي؛ لا النساءَ المتّشحاتِ بالسواد ووجوههنّ الجريحة، لا الأطفالَ المتشبّثين بعباءات أمّهاتهم، ولا الشيوخَ بعيونهم التائهة وظهورهم المحنيّة. صاروا بعيدين، صورٌ تتلاشى وتُنسى داخل عتمةٍ قديمة.
-: «تشجّعي» جاء صوت من خلفي. التفتُّ، فوجدتُ أبي، أو ما يشبهه. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتان، كانت يداه المرتجفتان، تحاولان الوصولَ إليّ والتّربيت على كتفيَّ. وكانت صورةُ نبتةِ حبقٍ يابسة، تعبر ذهني، بينما قدماه تغوصان في التراب.
وددتُ أن أناديه، أن أقول شيئاً، لكنّ صوتي لم يخرج. شعرت لحطتها بيد أمّي، تمتدُّ إليّ، وتشدُّ أزري.
-: «بتول...»! جاء الصّوت هذه المرّة من الأمام. الصوت العتيق المُحمّل بالحنان: «بتول... تيتا» ثمّ عبرت ذهني كلّ تلك الأمسيات الدافئة، عندما كنتُ أتوسّط حضنَ جدتي وهي تروي لي الحكايات، عن الوحوش والأميرات.
كانت يدُ أمّي على كتفي: «سوف نبقى معاً، الأميرةُ لن تستيقظ هذه المرّة، والوحوشُ ستظلّ تسعى فوق الأرض»
-: «لا تخافي» قالت جدّتي، ثمّ دون دون مقاومة ، سقطتُ في حكايتها.