Hoppa till huvudinnehåll

عبور أخير

تسرد قصة «عبور أخير» رحلة نزوح وهجرة لعائلة سورية اضطرت إلى ترك بيتها وبلادها، والعبور نحو المجهول عبر الحدود. تُروى الأحداث على لسان دمية ترافق العائلة في الطريق، فتتحول من غرض صغير في حقيبة إلى شاهدة صامتة على الخوف والفقدان والهشاشة الإنسانية، وعلى ما يبقى من الذاكرة حين يُجبر البشر على الرحيل

Credits رأفت حكمت 08 oktober 2026

كان ينقصني شيءٌ واحدٌ فقط، هو أن أتمكّن من الصّراخ بصوتٍ عالٍ، لعلّ أحداً ما يسمعُني..

فأنا منذ وُجدتُ، لا قدرةَ لي على شيءٍ، سوى إسدالِ جفنيّ إذا قامَ أحدٌ ما بوضعي على السّرير أوالطّـاولة، أو أيّ مكانٍ آخرَ بشكلٍ أفقيّ، ومجرّدَ أن يحمِلني بينَ يَديه بشكلٍ شاقوليّ ، تراني لا إراديّاً أفتحهما ..

كنت قبل ثلاثة أعوامٍ مركوناً إلى رفٍّ في أحدِ متاجرِ بيع الدُّمى في بيروت، حيث دخلَ وقتها رجلٌ وامرأةٌ وراحا يتجوّلان بعيونهم على الاحتمالاتِ المعروضة أمامهما على الرّفوف، لعلّهما يختاران هديّةً مناسبةً لابنهما الّذي سيبلغُ عامَه الخَامس..

هكذا فهمتُ من حديثِهما مع صاحبِ المتجر .

الوضعيّة الّتي كنت فيها على الرّفّ بشكلٍ شاقوليّ، سمحَت لي برؤيةِ كل شيء يحدثُ، لكنْ ليس بوضوحٍ تامّ، حيث كنتُ مائلاً قليلاً إلى الوراء، ممّا تسبّبَ بانسدالِ جَفنيَّ نصف إغماضَة..

خيالاتٌ تتحرّك أمامي، وخوفٌ يعتريني من الدّاخلِ، ربَّما لأنّه لنْ يروقَ لي أن تكون نهايتي على يد طفلٍ صغيرٍ، سينفخُ قلبي بأحادِيثه وقصصِه غيرِ المفهومَة، وربَّما سيحطّمُني في لحظةِ مزاجٍ سيّء..

وبينما أفكِّر بكلِّ هذا، التقطني صاحبُ المحلّ بيدهِ، وراح يقنعُ الأبوين بشرائي، واصفاً لهما كيف أُغنّي إذا ضغطَ ابنهُما على بطني برفقٍ، ويقلّبني بين يديه لينتبها إلى عينيَّ اللّتين تُغمضان وتَفتحان بشكل تلقائيّ، ممّا تسبّب لي بدوارٍ شديدٍ ورغبةٍ في التقيّـؤ ..

قد تستغربون من كلّ هذه التّفاصيل الّتي أخبركم عنها، وهناك احتمالٌ كبيرٌ أن يسألَ أحدكُم نفسَه، كيفَ يمكنُ لدميةٍ أن تشعرَ بالدُّوار !!

حسناً، لا أهميّة لذلك، طالما أنّكم مازلتم تقرؤون، مقتنعين بأن ثمَّة دميةٌ قادرةٌ على رَوْيِ قصّتِها .

لست دميةً صغيرة كما تتخيّلونها، فحجمي لا يقلّ عن حجم طفلٍ في الثّانية من عمره، أستطيع الجلوس بثباتٍ والوقوفَ أيضاً، صُنعتُ على هيئة ولدٍ ذكرٍ، بشعرٍ أصفرَ مجعّدٍ وقصير، خيطانٌ من الصّوف مجدولةٌ ببعضها، وتمّ تزويدي بمفاصلَ في يديَّ وقدميَّ ليتمكّن الطّفلُ الّذي سيملكني من تحريكي كيفما شاء، حتّى إنّ رأسي يمكنها أن تدور في كلّ الاتجاهات.

اقتنع الأبوان بشرائي، وأثناء الجدل والمساومة على سعري، فهمت أنّ طريقنا طويل، وأنّني سأعيش قادم الأيّام مع عائلةٍ جاءت من مدينة حلب السّوريّة، إلى بيروت لعلاج ابنها المُصاب بالتّوحّد..

حيث قال الأب لصاحب المتجر: لا يهمّني كم سأدفع ثمنها، بالقدر الّذي أتمنّى فيه أن تصل هذه الدّمية معنا إلى البيت، دون أن يسرقوها، فالطّريق إلى حلب ، تعجّ بالحواجز العسكريّة ونقاط التّفتيش.

وحين سألهما البائعُ عن ابنهما، أخبرته الأمّ بتلعثمٍ، أنّه في السّيارة نائِم .

خرجنا من المتجر، والأمّ تحملني بين ذراعيها كطفلٍ لها، وأنا متشوقٌ لرؤية ابنهما، الّذي سيحطّم رأسي، في أقرب فرصةٍ حين يشعرُ بالغضب..

لكن حين وصلنا إلى السّيارة، لم يكن ثمّة أحدٌ بداخلها، فانتظرتُ متوجّساً صراخَ الأمّ الّتي ستهرعُ باحثةً عن ابنها، وهلعَ الأب عليه، لكنّهما كانا هادئين إلى الحدّ الّذي يثير الدّهشة..

صعدا السّـيّارة، وراحت الأمّ تهزّني في حضنها، وزوجها يخبرها بكلّ برود، أنّه يشعرُ بالجوع.

طال الطريق إلى حلب، وأنا في حضن المرأة ، مرّة تقلّبني رأساً على عقبٍ لتشاهدَ كيف أفتحُ عينيَّ، ومرةً تُعيدني إلى وضع الاِستلقاء في حضنها لتخبر زوجها أنّ طفلها الجديد يغفو بدعةٍ وبراءةٍ، ومرّة تضغطُ على بطني لتسمعَ أغنيةً غير مفهومةٍ تصدرُ من جوفي ، وتارةً تقبّلني على وجهي النّائم، حتّى ظننتُ في بداية الأمر، أنّ جلسات العلاج كانت من أجل هذه المرأة الحزينة، حيث تبدو من تصرّفاتها أنّها عاقر،وتشتهي أن يكون لها ابن، حتّى ولو كان دمية .

فور وصولنا إلى البيت في مدينة حلب، لم تكن الأمور كما ظننتُها، فمع مرور الأيّام اعتادتْ هذه المرأةُ على وضعِي في سريرٍ صغيرٍ، يبدو أنّه كان لطفلٍ ما، يتّضح ذلك من الألعاب الموجودة حوله، وأيضاً من القصص، الّتي اعتدتُّ أن أسمعها من الأمّ كلّ يومٍ قبلَ النّوم، حيث كانت تعاملني كطفلٍ لها ، كأنّني حقيقيّ، تروي لي عن ابنها الّذي مات بين يديها من الحمّى، أيّامَ كانت المدينةُ تحت القصف والحصارِ وقذائف الهاون، حيث لم تتمكّن من إسعافه إلى الطّبيب.

في كثيرٍ من الأحيان، كانت تُلبسني ثيابَ ابنها، وتُجلسني إلى طاولة الطَّعام، وزوجُها يحاولُ قدر استطاعته أن يُداري حُزنها، هو الآخرُ لم يكن بحالٍ أفضل، وكان كلّ شيء يفكّر فيه، هو ترك البيت، ومغادرة المدينة الّتي كانت على صفيح من النّار ..

بدأتُ اعتادُ العيش في هذا البيت، لكن ما كان يؤرّق الجميع، صوتُ الرّصاص والقذائف، فالبلاد كانت في حالة حرب، واشتدّ الوضعُ سوءًا خلال العام الأخير الّذي قضيته مع هذه العائلة، لدرجةِ أنّ أحد البراميل المتفجّرة الّتي ترميها الطّائرات على الأحياء السّكنية، سقط بالقربِ من البيت، ودمّر العديد من البيوت المجاورة، وتسبّب بتحطيم أبوابِه وتكسيرِ النّوافذ، وصارت الاشتباكاتُ بالرَّصاص الحيّ تحدث في الشّـوارع المجاورة، ممّا دفع الزّوجين إلى لملمة أشيائهما الضّرورية وترك البيت والمغادرة بسيّارتهما، مع قوافل العائلات الّتي نزحت من بيوتها ..

كنتُ من أهمّ الأشياء الّتي حرصت الأمّ على اصطحابي معها، وطوال الطّريق لم أكن أسمع سوى نواح النّساء، وشهشهة الرّجال المجبورين على ترك منازلهم، وصراخ الأطفال، والبكاء الّذي لا ينقطع..

ومن أجل الحفاظ على سلامتي، قامت الزّوجة بوضعي بشكلٍ أفقيّ ضمن حقيبة الثّـياب، وأحكمتْ إغلاقها، فالأحاديث كانت تدورُ بين النّاس عن خَيارٍ وحيدٍ، هو التّرجّل من السّـيّارات، وعبورُ الحدود بين سوريا وتركيّا سيراً على الأقدام، حيث كان هذا الطّريق، هو المعبرُ الوحيدُ للنّجاة، وكان هناك العشرات من مهرّبي البشر، ينتظرون القوافل المهاجرة ..

قبل وضعي في الحقيبة، حاولت تخزين أكبرعددٍ ممكن من المشاهد الّتي أستطيع رؤيتها لأحكيها لكم، فلقد كنت على شعورٍ لا يخيبُ بأنّني إذا دخلتُ الحقيبة، فلن أخرج منها ثانيةً، لا أعرف ما مصدرُ هذا الشّعور، كلّ مافي الأمر أنّني لم أكن أشعر بشيءٍ آخر.

من تلك المشاهد، ثلاثُ نساءٍ يرتدين عباءاتٍ سوداءَ، وكلّ واحدةٍ منهنّ تحملُ على رأسها حقيبةً، وتجرّ وراءَها أطفالها، وإلى اليمين قليلاً قربَ صخرةٍ كبيرةٍ يجلس رجلٌ مُسِنّ يبدو أنّه حافيَ القدمين، يمسحُ بطرفِ شماغِه دمعةً نزلتْ من زاوية عينِه اليُسرى، وكانَ شابّ ملتثمٌ يقفُ على حجرٍ ليشاهدَ الجَمْع الّذي أمَامه، ويصرخَ فيهم بأنّ عليهم أن يدفعوا نقوداً مقابل تأمينهم، وأنّ عليهم الاستعجال بالمسير خلفه وحملَ الأطفال على الأكتاف، لأن الطّريق مليئةٌ بالأشواك، ووعرةٌ جِدّا..

آخر شيءٍ سمعتُه قبلَ أن أصير داخل الحقيبة، ويصير الصّوت بعيداً، قولُ المُهرّب:

" الّذين لايرغبون بالذّهاب ورائي، فليبقوا هنا، ولتأكلهم الضّباع"

أمّا من هنا، من داخل هذه الحقيبة، ماعدت أسمع شيئاً، سوى صوتِ تعثّر الأقدام الّتي تسيرُ بسرعةٍ، وصوتِ المهرِّب كلّ قليلٍ يشتمُ العابرين، وهو يحثّهم على الإسراع وإسكات الأطفال كي لا ينتبه حرس الحدود إليهم..

مضى على هذه الحال أكثر من ثماني ساعات، سمعت ذلك من الرّجل الّذي كان يحمل الحقيبة، مخاطباً زوجتَه، بأن تتماسك، وأنّه لم يبقَ سوى القليل، بينما أنا داخل الحقيبة، تارةً أفتح عينيّ حين يحملُ الرّجلُ الحقيبةَ على ظهره بوضعٍ شاقوليّ، وتارةً أغمضهما حين يحملها بيده بشكل أفقيّ.

ومرّةً، حين قام الرّجلُ برمي الحقيبةِ على الأرض لتجلس عليها زوجتُه كي تستريح، ضغطت بوزنها الثقيل على بطني، فصدحت من جوفي تلك الأغنية غير المفهومة، والّتي على ما يبدو لم يسمعها أحد، لأن صوت إطلاق رصاصٍ كثيفٍ تزامن معها، ملأ الجوّ..

لا بدّ أنّهم حرسُ الحدودِ انتبهوا إلى العابرين، حيث علا صراخُ النّساءِ وازدادَ الرَّكضُ الخائفُ وتوسّلاتِ الرِّجالِ أنْ ثمّة أطفالٌ بين النّاس، لكنّ صوتَ الرّصاص لم يهدأ..

ممّا اضطرّ الجميع إلى ترك حقائبهم والفرار خلف المهرّب.

بعد مرور وقتٍ قصيرٍ، لم أعد أسمع شيئاً، سوى صوتِ ضباعٍ تعوي من بعيد، ورياحٍ تصفرُ، وهدوءٍ مُريبْ..

أنا على ظهري داخل الحقيبة، بعينين مُغمضتين عُنوة، لا أعرفُ ماذا سيحصل بعد هذا، أتساءل بيني وبين نفسي، هل تركوني ؟!

هل يعقل أنّهم ماتوا ؟؟

أتساءل فقط، ولم أفكّر ولو للحظةٍ في أن أبحث عن إجابة، لأنّني وجدتُ الوقت يمرّ أسرعَ كلّما طرحتُ أسئلةً أكثرَ، وفي الحقيقة، في وضع كهذا، لاشيء يفيدني، سوى أن يمرّ الوقتُ أسرعَ .

وربّما تستغربون لو اعترفتُ لكم ، بأنّ أكثر ما أتمنّاه الآنَ هو أن يأتي أحدٌ ما، أيّا يكُن، ويقومَ فقط بقلبِ الحقيبةِ، ووضعِها بشكلٍ شاقوليٍّ، لأنّ من أكثرِ الأشياء إيلاماً، هو عجزك عن فتحِ عينيك في الوقت الّذي تحتاج إلى ذلك ..

لا أعلمُ بالضّبط، كم مرّ من الوقت، لكنّه ليس بالقليل، وغالباً مضى عامٌ كاملٌ على وجودي هناك، داخلَ حقيبةٍ في العراء، متروكةٍ على الحدود بين دولتين..

ولا أعرف ، كيف وصلت إلى هنا..

مركوناً على رفّ في مكتبةٍ تعودُ لصيّاد يونانيّ، يقولُ لأصدقائِه كلّما سألوه عنّي، إنّه وجدني عالقاً في شباكهِ، أثناء رحلةِ صيدٍ على شواطئ بحرِ إيجة، وكانت عيناي ذاهلتين، كأنّهما شاهدتان على مَجزرة.

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Ge en gåva på Patreon
Fler sätt att engagera sig

Sök