Hoppa till huvudinnehåll

حرية التعبير كاختبار للعدالة

في مراحل التحول السياسي، تُطرح حرية التعبير بوصفها أحد أبرز مؤشرات الانتقال نحو فضاء أكثر انفتاحًا. غير أن الحق في الكلام لا يضمن بالضرورة الحق في التأثير أو المساواة في الحضور داخل المجال العام. ينطلق هذا المقال من التجربة السورية ليتأمل العلاقة بين حرية التعبير وحقوق المرأة، متسائلًا عمّن يُمنح صفة الصوت الشرعي، وكيف تكشف مشاركة النساء عن المعنى الحقيقي للعدالة في المجتمعات الخارجة من الاستبداد.

Credits لارا زياد المحمد 08 oktober 2026

في اللحظات التي تعقب سقوط الأنظمة تميل المجتمعات إلى البحث عن إشارات سريعة تدل على بداية مرحلة جديدة. وغالباً ما تُقدَّم حرية التعبير بوصفها العلامة الأوضح على هذا التحول: الناس يتكلمون، ينتقدون، يختلفون علناً بعد سنوات طويلة من الصمت والخوف. يبدو المشهد للوهلة الأولى كأنه ولادة طبيعية لمجال عام جديد، وكأن القدرة على الكلام بحد ذاتها كافية للإعلان عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. لكن هذا الانطباع رغم جاذبيته يخفي سؤالاً أعمق وأكثر إلحاحاً: هل يكفي أن يُتاح الكلام كي نقول إن حرية التعبير تحققت فعلاً؟ أم أن المسألة تتعلق أيضاً بمن يُسمع، ومن يُؤخذ كلامه على محمل الجدّ، ومن يملك القدرة الفعلية على التأثير في مسار النقاش وصناعة القرار؟

في الحالة السورية، لا يمكن فصل هذا السؤال عن الإرث الثقيل الذي خلّفه الاستبداد، ولا عن البنى الاجتماعية التي تداخلت معه وأسهمت بطرق مختلفة في تثبيت من يملك الصوت ومن يُدفع إلى الهامش. فالمجال العام لم يكن يوماً ساحة مفتوحة بالتساوي، بقدر ما كانَ فضاءً تُحدَّد داخله قيمة الأصوات وفق معايير غير متكافئة، كثير منها غير مرئي لكنه شديد الفاعلية. هناك أصوات تُمنح صفة (الرأي) تلقائياً، وأخرى تُستقبل وكأنها تحتاج إلى إثبات مشروعيتها قبل أن يُنظر في مضمونها. هنا تحديداً يبرز موقع النساء، كمؤشر حقيقي على طبيعة هذا المجال وحدوده، وليس مجرّد قضية منفصلة أو فئوية.

خلال سنوات الصراع لم تكن النساء على الهامش كما قد يوحي الخطاب السائد اليوم. على العكس، في كثير من المناطق كنّ في قلب ما أبقى المجتمعات قائمة: إدارة شؤون الحياة اليومية، تنظيم المبادرات المحلية، تأمين الحد الأدنى من التعليم، العمل الإغاثي، بناء شبكات دعم، وأحياناً الانخراط في التوثيق والإعلام المحلي. وقد كان هذا الحضور استجابة مباشرة لفراغ هائل خلّفه غياب الدولة وتفكك البنى التقليدية. ومع ذلك، عند الانتقال إلى لحظة التفكير بالمستقبل، يتراجع هذا الحضور بشكل لافت. كأنّ ما أُنجز في زمن الضّرورة لا يُحسب كخبرة صالحة لزمن السياسة، وأنّ إدارة الحياة نفسها لا تُعتبر معرفة يمكن البناء عليها في إعادة تشكيل المجال العام.

هذا التناقض يكشف أكثر من مجرد ضعف في التمثيل، فهو يعبر عن خلل أعمق في تعريف ما يُعتبر "خبرة" و"كفاءة" و"أهلية" للمشاركة. فالمعايير التي تُستخدم لتحديد من يحق له أن يكون جزءاً من النقاش لا تزال تميل إلى أنماط تقليدية من الحضور: العمل السياسي الرسمي، الظهور الإعلامي، أو الارتباط بمراكز القوة. في المقابل، تُهمَّش الخبرات التي تشكّلت في إدارة الحياة اليومية، رغم أنها الأكثر اتصالاً بواقع الناس واحتياجاتهم. ضمن هذا السياق، تصبح حرية التعبير قضية تتجاوز الإطار القانوني وحده؛ فهي لا ترتبط فقط بإمكانية الكلام، وإنما بالشروط التي تجعل هذا الكلام مسموعاً وقادراً على التأثير. ومن هنا يتقاطع الحديث عن حرية التعبير بصورة مباشرة مع حقوق المرأة، فهذه الحقوق لا تقتصر على ضمانات قانونية مكتوبة، فهي تشمل أيضاً الحق في الحضور داخل المجال العام كصوت يحمل كامل الشرعية. أي الحق في أن تتحدث دون التشكيك في أهليتها، وأن تُناقَـش أفكارُها لا شخصُها، وأن تُقيَّم مساهمتُها انطلاقاً من مضمونها لا من موقعها الاجتماعي أو الجندري.

في الواقع، لا يتمثل ما تواجهه النساء في القيود المباشرة وحدها، فهناك منظومة من التوقعات المسبقة التي تعيد إنتاج الشك في شرعية الصوت النسائي. إذ في كثير من الأحيان، يُطلب منهن ما لا يُطلب من غيرهن: أن يبررن وجودهن داخل النقاش قبل أن يقدمن رأياً فيه. ورغم أن هذا الشرط يبدو غير معلن، فإنه يخلق منذ البداية بيئة غير متكافئة للمشاركة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه البيئة إلى عامل ضاغط يرسم حدود الحضور والمشاركة، بحيث لا يعود التعبير مجرد فعل تواصل، بل يتحول إلى مخاطرة قد تُـفضي إلى التّشكيك أو الهجوم الشخصي أو التقليل من الكفاءة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الصمت أحياناً خياراً مفروضاً أمام ارتفاع كلفة الكلام والتعبير عن الرأي.

لا يقتصر هذا الواقع على الفضاء الاجتماعي التقليدي، إنّما يمتد أيضاً إلى الفضاء الرقمي الذي كان يُفترض أن يكون أكثر انفتاحاً واتساعاً للتعبير، غير أنه يعيد في كثير من الحالات إنتاج أنماط الإقصاء ذاتها، عبر أشكال مختلفة من الضغط والمساءلة غير الرسمية.

وفي سياق التحولات السياسية تزداد حساسية هذه المسألة. فلا تكون المراحل الانتقالية مجرّد تفكيك علاقات القوة، بقدر ما تكون من أجل إعادة تشكيلها وتوزيعها بشكل عادل، إذ خلالها (المراحل الانتقالية) تميل القوى الأكثر رسوخاً إلى إعادة تثبيت مواقعها، حتى لو تغيّرت اللّغة أو الشعارات، لذلك، لا يكفي أن تُدرج مشاركة النّساء ضمن الأطر الجديدة طالما هي مجرّد مشاركة شكلية. فوجود النساء داخل المؤسسات أو ضمن نسب تمثيلية محددة، لا يضمن بحد ذاته القدرة على التأثير. الفرق كبير بين أن تكون موجوداً، وأن تكون قادراً على تغيير مسار النقاش أو إعادة تعريف أولوياته. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يُنظر إلى النساء كفاعلات سياسيات كاملات، أم كفئة تحتاج إلى "إدماج" ضمن إطار صُمِّم دون أخذ خبراتهن بعين الاعتبار؟ عندما تبقى الإجابة غير واضحة، تتحول المشاركة إلى شكل من أشكال التمثيل الرمزي، لا إلى قوة فعلية. وفي هذه الحالة، قد يُعاد إنتاج الإقصاء بطرق أكثر نعومة، لكنها لا تقل تأثيراً.

إن تجاهل الخبرات التي راكمتها النساء خلال السنوات الماضية قد يتجاوز فكرة الإقصاء، ويصل إلى خسارة الفرصة الحقيقية لإعادة بناء المجال العام على أسس أكثر توازناً. فالخبرات المرتبطة بإدارة الحياة اليومية، وبالتعامل مع الأزمات الصغيرة والكبيرة، تقدم فهماً مختلفاً للسياسة، فهماً يبدأ من الواقع لا من التصورات المجردة. هنا، يصبح الربط بين حرية التعبير وحقوق المرأة أمراً أساسياً، لأن حرية التعبير إذا لم تشمل القدرة على تحدي البنى الاجتماعية التي تقيّد النساء، فإنّها ستبقى ناقصة. وقد تتحول في بعض الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج هذه البنى، حين تُستخدم لتبرير خطاب يقوّض حقوقهن باسم العادات أو الخصوصية الثقافية.

لا يمكن تناول حرية التعبير في سوريا اليوم باعتبارها قضية محايدة جندرياً، طالما أنّ فرص الوصول إلى المجال العام وشروط التأثير داخله لا تُمنح للجميع بالقدر نفسه، فالمساواة كمفهوم، تتطلب تغييراً في البنى التي تنتج التفاوت، لا الاكتفاء فقط بالإقرار النظري بها، لذلك فإنّ السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع المرأة أن تتكلم؟ هل يُستمع إليها؟ هل يُؤخذ كلامها بجدية؟ هل يمكن أن يغيّر شيئًا في موازين القرار؟ ..الخ . وبالتّالي، إنّ الفرق بين هذه المستويات من التّساؤلات، هو الّذي يحدّد المعنى الحقيقي لحرية التعبير، كما يحدّد مدى تحقّق حقوق المرأة داخل هذا المجال.

في النهاية، لا يُقاس أي تحول ديمقراطيّ بعدد الأصوات التي ترتفع، بل بمدى قدرة هذه الأصوات على أن تُحدث أثراً فعلياً. وإذا بقيت هذه القدرة موزعة بشكل غير عادل، فإنّ الحديث عن مرحلة جديدة سيبقى ناقصاً. أما إذا أُعيد النظر فيما يُعتبر صوتاً شرعياً، وفيما يُحسب كمعرفة، وفي كيفية توزيع التأثير داخل المجال العام، فقد تتحول حرية التعبير من مجرد مساحة للكلام إلى أداة حقيقية لإعادة بناء العدالة. وفي هذا الاختبار تحديداً، تتشكل ملامح سوريا التي يمكن أن تنشأ بعد هذا التحول، إذ يبقى السّؤال: هل ستكون أكثر اتساعاً وعدلاً، أم مجرد إعادة ترتيب لصمتٍ قديم، لكن بأصوات جديدة.

Like what you read?

Take action for freedom of expression and donate to PEN/Opp. Our work depends upon funding and donors. Every contribution, big or small, is valuable for us.

Ge en gåva på Patreon
Fler sätt att engagera sig

Sök